عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

245

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )

نعم ، وخرج وأتى بها ، فبنفس شهادتهم صرف النّاس عن الحكم ، وغضب وغلق بابه ، فمشى أكبر خدّامه عليّ يعرف بالمطرق وترفّق حتّى وصل إلى أمير المؤمنين أبي العباس أحمد ، وقال بعد سلامه : يا مولانا ما يعز الشّرع إلّا أنتم وما يذلّ الشّرع إلا أنتم . فقال : وما الأمر ؟ فبسط له الواقع بحضرة السلطان زكرياء ، وعرّفه بأنه غلق بابه عن الحكم فقال لأخيه زكرياء : يا أخي ، هذا لا يخلّص من اللّه تعالى وأمر بضربه ألف سوط وتطويفه على بغل في مجامع النّاس ومع ضربه بكل مكان معتبر وأوصى الضّارب له بالضّرب الشّديد وقال له : تراني انظر إليه بعد ضربك فإن رأيت شيئا من لحمه وإن قلّ ليس فيه دم كلامي معك . ففعل به ذلك ، ولما رآه بعد ضربه شكر ضاربه على ضربه كما أوصاه . وقال لخديمه حين أمر بضربه : قل له يحكم بما أراه اللّه على أولادي [ كبيرهم وصغيرهم ] « 1 » ولا يبالي فكان ذلك حدّا للقوّاد وغيرهم ولمّا مات السّلطان المذكور ، وتولّى بعده سلطانا ولده أبو فارس عبد العزيز ، زاد عزّه أكثر لأنّه أوّل من بايعه في حال ضرورته إلى ذلك لئلّا يبايع غيره ، وقرأ عليه بعض رسالة الشيخ ابن أبي زيد ، فعمل عنده الميعاد يوما في الجمعة بإقراء التفسير وغيره ، فكان من يكسر له دعوى ، ولو من القوّاد الكبار يأمر بتمزيق ما فوق عنقه وما يليه ويضربه في العنق الصّفع الشّديد فيضربه أعوانه بأمره فكان أكثر القواد ينصفون من أنفسهم ولا يتحاكمون عنه ، فكان الناس في عزّ عظيم لقوة تنفيذ أحكامه وحسنه سيرته ، حتّى لا يجد أحد ما يقول فيه إلى أن مات وكانت ولايته على ما عرفني [ به ] « 2 » من نثق به تسعة [ وعشرين ] « 3 » سنة . فنسأل اللّه عزّ وجلّ أن يجدد علينا الرحمة بكرة وعشيّا . وقد تقدّم أن مالك بن أنس رحمه اللّه تعالى كان يتفرّس في ابن غانم القضاء ، وبعد ولايته قال أبو بكر المالكي سرّ بذلك مالك . وقال لأصحابه أعلمتم أن الفتى الرعيني الذي كان يأتي إلينا قد استقضى على إفريقية فكان يسره ذلك .

--> ( 1 ) في ت : كغيرهم . ( 2 ) سقط من : ت . ( 3 ) لعل الصواب هو : [ تسعة عشر ] لأن الوارد في الرياض : أن ولايته كانت في رجب من سنة إحدى وسبعين ومائة ( 171 ه ) 1 / 220 . وكانت وفاته سنة تسعين ومائة ( 190 ه ) 1 / 215 . انظر مطلع البيت الشعري الآتي قوله : « ولينا قضاء الغرب عشرين حجّة »